محمد بن جرير الطبري

405

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

وأما الوجه الآخر ، فأن يكون معنى الكلام : إن الله لا يستحْيي أن يضرب مثلا ما بين بعوضة إلى ما فوقها ، ثم حذف ذكر " بين " و " إلى " ، إذ كان في نصب البعوضة ودخول الفاء في " ما " الثانية ، دلالة عليهما ، كما قالت العرب : " مُطِرنا ما زُبالة فالثَعْلَبِيَّة " و " له عشرون ما ناقة فجملا " ، و " هي أحسنُ الناس ما قرنًا فقدمًا " ، يعنون : ما بين قرنها إلى قدمها ( 1 ) . وكذلك يقولون في كل ما حسُن فيه من الكلام دخول : " ما بين كذا إلى كذا " ، ينصبون الأول والثاني ، ليدلّ النصبُ فيهما على المحذوف من الكلام ( 2 ) . فكذلك ذلك في قوله : " ما بعوضة فما فوقها " ( 3 ) . وقد زعم بعضُ أهل العربية أنّ " ما " التي مع المثَل صلةٌ في الكلام بمعنى التطوُّل ( 4 ) وأن معنى الكلام : إن الله لا يستحيي أن يضربَ بعوضةً مثلا فما فوقها . فعلى هذا التأويل ، يجب أن تكون " بعوضةً " منصوبةً ب‍ " يضرب " ، وأن تكون " ما " الثانية التي في " فما فوقها " معطوفة على البعوضة لا على " ما " . وأما تأويل قوله " فما فوقها " : فما هو أعظم منها ( 5 ) - عندي - لما ذكرنا قبل من قول قتادة وابن جُريج : أن البعوضة أضعف خلق الله ، فإذْ كانت أضعف خلق الله فهي نهايةٌ في القلة والضعف . وإذ كانت كذلك ، فلا شك أن ما فوق أضعف الأشياء ، لا يكون إلا أقوى منه . فقد يجب أن يكون المعنى

--> ( 1 ) في المخطوطة : " يعنون بذلك من قرنها . . " . ( 2 ) في المخطوطة : " ليدل النصب في الأسماء على المحذوف . . . " ، وهما سواء ( 3 ) أكثر هذا من كلام الفراء في معاني القرآن 1 : 21 - 22 ، وذكر الوجهين السالفين جميعًا ، وكلامه أبسط من كلام الطبري وأبين . ( 4 ) قد مضى قديمًا شرح معنى التطول ( انظر : 18 ، 224 وما يأتي ص : 406 ، 154 من بولاق ) ، وهو الزيادة في الكلام . وهذا الذي قال عنه : " زعم بعض أهل العربية " ، هو الفراء نفسه ، فقد ذكر هذا أول وجه من ثلاثة وجوه في الآية في معاني القرآن 1 : 21 ، وقال : " أولها : أن توقع الضرب على البعوضة ، وتجعل ما صلة ، كقوله : " عما قليل ليصبحن نادمين " ، يريد : عن قليل . المعنى - والله أعلم - : إن الله لا يستحيي أن يضرب بعوضة فما فوقها مثلا " . والذي يسميه الطبري البغدادي المذهب في النحو " تطولا " ، يسميه الفراء الكوفي المذهب في النحو " صلة " ، وهي الزيادة في الكلام . ( 5 ) في المخطوطة : " فهو ما قد عظم منها " ، وهو خطأ بلا معنى .